ابن حزم

73

رسائل ابن حزم الأندلسي

تيقّن النصح منها لما يرى من تناصر التواريخ على تباعد أقطار حامليها ، وتفاوت أزمانهم وتباين هممهم واختلاف أديانهم وتفرق مذاهبهم على نقل قصة ما ، فيوقن أنها حق لا شك فيه ، ويسمع بخلاف نقلهم في قصة ما ، فيدري أنها مضطربة . ويرى أخبار العلماء والصالحين فيرى الحرص على مثل حالهم ويرغب في إلحاق اسمه بأسمائهم إذا سلك طريقهم وحذا حذوهم وعمل عملهم ، ويطالع آثار المفسدين في الأرض وسوء الآثار عليهم ، وما أبقوا من الأسماء الذميمة ، فيمقت طريقهم ، ويجتنب أن يكون مذكورا فيهم . ويجعل هذا العلم خاصة وقت راحته وسآمته من تعلم غيره من العلوم ، فإن هذا العلم سهل جدا ومنشط ومنتزه ولذة ، لا ينبغي لأحد أن يخلو منه فلا يدري أثرا ولا ما تقوم به الحجة من الأخبار التي يضطر إلى العلم بها حقيقة ، بل يكون بمنزلة من قدّر أن العالم لم يكن إلا مذ كان هو . فإذا أحكم ما ذكرنا فأولى الأشياء به معرفة ما له خرج إلى هذا العالم ، وما إليه يرجع إذا خرج من هذا العالم ، وبيان ذلك بيان انقضاء أيام سفره ، فإنها قليلة جدا ، فلا شيء أوكد عليه من هذا ، لأن ما عدا ذلك من بؤس ونعيم ولذة ومال ورئاسة وفقر وخمول ونكد فمنقض كله في أسرع وقت ، لسنا نقول بالموت الذي لا بد منه فقط ، بل بالهرم وعوارض الدهر الذي لا يؤمن تقلبه « 1 » بأهله قبل كر الطرف . فيلزم « 2 » المرء أن ينظر - إذا أحكم ما ذكرنا - أن يطلب البرهان من العلوم الضرورية التي ذكرنا على : هل العالم محدث أو لم يزل . فإذا حصل له أنه محدث وذلك قائم في إحصاء العدد لأزمانه وعدد أشخاصه وأنواعه « 3 » ، نظر هل [ له ] « 4 » محدث أو لا محدث له فإذا حصل له أنه محدث لم يزل ، وهذا قائم من باب الفضائل من حدود المنطق ، نظر هل المحدث واحد أو أكثر من واحد ، فإذا حصل له أنه

--> ( 1 ) ص : نقوله . ( 2 ) ص : فليلزم . ( 3 ) ص : أشخاص أنواعه . ( 4 ) زيادة لازمة .